ابن عجيبة

395

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الجمع ، ثم من الجمع إلى جمع الجمع . فهؤلاء على صلاتهم دائمون ، وفي حال نومهم عابدون ، وعلى كل حال إلى ربهم سائرون ، وفي معاريج بحر عرفانهم سائحون ، فلا تعلم نفس ما أخفى لهؤلاء من دوام النظرة ، والعكوف في الحضرة ، واتصال الحبرة . فعبادة هؤلاء قلبية ، سرية ؛ خفية عن الكرام الكاتبين ، بين فكرة وشهود وعبرة واستبصار ، الذرة منها تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح ، وقد ورد : ( تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ) . هذا تفكر الاعتبار ، وأما تفكر الشهود والاستبصار ، فكل ساعة ، أفضل من ألف سنة ، كما قال الشاعر : كلّ وقت من حبيبي * قدره كألف حجّه أي : سنة ، ومع هذا لا يخلون أوقاتهم من العبادة الحسية ، شكرا ، وقياما بآداب العبودية ، وهي في حقهم كمال ، كما قال الجنيد : عبادة العارفين تاج على الرؤوس . ه . وفي مثل هؤلاء ورد الخبر : « إن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم ، إذ سطع عليهم نور من فوق ، أضاءت منه منازلهم ، كما تضئ الشمس لأهل الدنيا ، فنظروا إلى رجال من فوقهم ، أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء ، وقد فضّلوا عليهم في الأنوار والنعم ، كما فضل القمر على سائر النجم ، فينظرون إليهم ، يطيرون على نجب ، تسرح بهم في الهواء ، يزورون ذا الجلال الإكرام ، فينادون هؤلاء : يا إخواننا ، ما أنصفتمونا ، كنا نصلى كما تصلون ، ونصوم كما تصومون ، فما هذا الذي فضلتمونا به ؟ فإذا النداء من قبل اللّه تعالى : كانوا يجوعون حين تشبعون ، ويعطشون حين تروون ، ويعرون حين تكسون ، ويذكرون حين تسكتون ، ويبكون حين تضحكون ، ويقومون حين تنامون ، ويخافون حين تأمنون ، فلذلك فضّلوا عليكم اليوم . فذلك قوله تعالى : « فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون » . ه . قال القشيري : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) ، في الظاهر ، عن الفراش ، قياما بحقّ العبادة والجهد والتهجد ، وفي الباطن : بتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال ، ورؤية قدر النفس ، وتوهم المقام ؛ لأن ذلك بجملته ، حجاب عن الحقيقة ، وهو للعبد سمّ قاتل ، فلا يساكنون أعمالهم ، ولا يلاحظون أحوالهم ، ويفارقون مآلفهم ، ويهجرون معارفهم . والليل زمان الأحباب ، قال اللّه تعالى : لِتَسْكُنُوا فِيهِ * « 1 » يعنى : عن كلّ شغل وحديث سوى حديث معبودكم ومحبوبكم ، والنهار زمان أهل الدنيا . قال اللّه تعالى : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً « 2 » . . انظر بقية كلامه .

--> ( 1 ) من الآية ( 73 ) من سورة القصص . ( 2 ) من الآية ( 11 ) من سورة النبأ .